عمر فروخ

27

تاريخ الأدب العربي

إذا لم يكن هنالك شمس ) ، وليس بإمكان الفرنسيّ أو الإنكليزيّ أن يفهم المعنى الذي قصده محمّد إمام العبد ، وهو أنّه يريد أن يتزوّج امرأة حسناء كالشمس ، وذلك مستحيل عليه لأنّه ليل . إنّ مثل هذه التورية « 1 » لا يمكن أن تخطر للفرنسيّ أو للإنكليزيّ لأن الشمس عندهما مذكّرة ، ولا صلة لها عندهما بالزّواج . إنّ للكلمات حياة اجتماعيّة مقطوعة أحيانا من الصّلة اللغويّة . كان بيننا يوما رجل أميركيّ قد تعلّم شيئا من اللغة العربية . وأراد في يوم من أيام الشتاء أن ينقل إلينا شعوره بالبرد ( حقيقة أو مجازا ) فقال : - أنا بارد . فضحكنا . وكان يجب أن يقول : « أنا بردان » . ذلك لأنّ في صيغة فعلان من الفعل « برد » معنى لغويّا ، بينما في صيغة فاعل من الفعل نفسه معنى اجتماعي . فإذا نحن انتقلنا إلى الفعل « نعس » مثلا ، وجدنا للصيغتين فاعل وفعلان معنى مختلفا منهما في الفعل « برد » . إنّك لو قلت : لفلانة طرف ( عين ) ناعس لكان ذلك مدحا لها . أمّا إذا قلت : لها طرف نعسان فإنّ ذلك لا يكون لها مدحا . والحفاظ على اللغة حفاظ على الصّلة بين حاضر الأمّة وماضيها ، وذلك يدعو إلى حفاظ الأمّة على مستقبلها . وما دمنا قد قلنا إنّ اللغة كائن حيّ يولد وينمو ثمّ يموت ، فموت اللغة موت للأمّة نفسها . إنّ النسل لا يقف ، فالذين كانوا قبل عشرة آلاف سنة لا يزال نسلهم يتوالى إلى اليوم ، ولكنّ وجودهم في أمّة راهنة رهن ببقاء لغتهم وحضارتهم . بهذا المعنى يفهم بقاء الأمم وانقراضها .

--> ( 1 ) التورية كلمة لها معنيان : أحدهما قريب واضح والثاني منهما بعيد ملموح . والذي يأتي بالتورية يوهم القارئ أو السامع أنّه يريد المعنى القريب المشهور بينما هو يقصد المعنى البعيد المستور . قال الشاعر : « فإنّ غصون الروض تصلح للقصف » . فالمعنى القريب أن أغصان الشجر في الجنينة يسهل أن تقطع من أشجارها ويظلّ لها نفع . أمّا قصد الشاعر فكان أن هذه الأغصان المورقة المزهرة تجعل الروض جميلا فيصلح الروض حينئذ للتمتّع بعدد من اللذات فيه .